top of page

لبنان على حافة صفقة لا تحمل اسمه

  • صورة الكاتب: يللا ماغازين
    يللا ماغازين
  • 29 مايو
  • 2 دقيقة قراءة

يللا ماغازين المجلة اللبنانية في كيبيك -

لا يمكن قراءة عبور قوات إسرائيلية لنهر الليطاني كتحرك عسكري عادي في جنوب لبنان. فالحدث يأتي في توقيت شديد الحساسية، بينما تحاول واشنطن دفع مفاوضات إقليمية أوسع مع إيران، ويجد لبنان نفسه مرة جديدة في قلب ترتيبات قد تُصاغ فوق أرضه ومن دون قراره.

قيمة الليطاني تتجاوز الجغرافيا. فهذا النهر تحوّل منذ عقود إلى خط سياسي وعسكري في الصراع المرتبط بجنوب لبنان. عبوره، أو الإعلان عن عبوره، لا يعني فقط تقدماً ميدانياً. إنه رسالة واضحة بأن حدود الأمن، وحدود النفوذ، وحدود قدرة الدولة اللبنانية باتت تُرسم بالقوة لا بالمؤسسات.

يأتي هذا التطور فيما يُحكى عن محادثات بين مسؤولين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين في واشنطن. هنا تظهر المفارقة. على الأرض، تتقدم إسرائيل وتضرب بيروت وصور والجنوب والبقاع. في العواصم، يجري الكلام عن مفاوضات. هذا التزامن يعني أن الضغط العسكري ليس منفصلاً عن المسار السياسي، بل أصبح جزءاً منه.

يتحول جنوب لبنان، في هذه اللحظة، إلى ورقة تفاوض. أوامر الإخلاء الواسعة لا تنقل السكان فقط من بيوتهم. إنها تصنع واقعاً جديداً: بلدات فارغة، قرى مشلولة، عائلات مدفوعة إلى الداخل، ومنطقة حدودية تخرج تدريجياً من الحياة الطبيعية للدولة.

السؤال الأساسي لم يعد فقط إلى أين ستتقدم إسرائيل. السؤال الأعمق هو من سيقرر شكل اليوم التالي في هذه المنطقة: الدولة اللبنانية، الجيش اللبناني، إسرائيل، الولايات المتحدة، إيران، أم القوى المسلحة التي فرضت على البلد منطق المواجهة الدائمة؟

مشروع الاتفاق بين واشنطن وطهران يعطي الأزمة بعداً أخطر. الكلام عن هدنة، وضمانات إقليمية، ومضيق هرمز، وحزمة اقتصادية ضخمة، يظهر أن الملف اللبناني ليس معزولاً. لقد أصبح جزءاً من بازار إقليمي كبير: أمن إسرائيل، الضغط على إيران، طرق الطاقة، مستقبل الميليشيات، ودور واشنطن في توازن الشرق الأوسط الجديد.

ضمن هذه المعادلة، قد يدفع لبنان الثمن مرتين. يدفع أولاً ثمن الحرب على أرضه. ثم قد يدفع ثمن اتفاق إقليمي يُعامل فيه مصيره كملحق للملف الإيراني. هنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول السيادة اللبنانية إلى بند ثانوي في تفاهم بين القوى الكبرى.

يقع حزب الله في قلب هذه المعضلة. فهو يقول إنه يدافع عن لبنان، لكن وجوده العسكري المستقل أعطى الآخرين الذريعة الدائمة للتدخل والضرب والاحتلال والتفاوض والقرار. كلما بدا لبنان عاجزاً عن فرض سلطة عسكرية واحدة على أرضه، أعطى الآخرين فرصة أوسع للحديث باسمه أو التصرف فوق أرضه.

تستخدم إسرائيل، من جهتها، الحجة الأمنية لتوسيع هامش تحركها. كل ضربة، وكل أمر إخلاء، وكل عملية خارج الجنوب، تكرّس واقعاً تدريجياً: لبنان لم يعد فقط جاراً مضطرباً أو ساحة مواجهة، بل أصبح مساحة عمليات مفتوحة طالما أن قرار السلاح خارج سلطة الدولة.

لهذا يبدو المشهد أخطر من جولة عسكرية. لبنان لا يُهدد بالقصف فقط. يُهدد بفقدان تعريفه كدولة صاحبة أرض وحدود وقرار. عندما تُعلن مناطق كاملة كمناطق خطر، وعندما يُدفع الناس إلى النزوح، وعندما يتحول نهر إلى حد عسكري فعلي، لا تكون الدولة ضعيفة فقط، بل تصبح مُتجاوزة.

عمق القضية هنا: لبنان لا يواجه حرباً واحدة، بل محاولة إعادة ترتيب إقليمي يستخدم أرضه كوسيلة ضغط، وكدليل، وكعملة تفاوض، وكاختبار. الجنوب يصبح رسالة إلى إيران. بيروت تصبح إشارة دبلوماسية. المدنيون يصبحون ثمن غياب الدولة.

يقف البلد اليوم أمام حقيقة قاسية. لا دبلوماسية قادرة على حماية لبنان طويلاً إذا بقي القرار الوطني موزعاً بين الدولة وقوى مسلحة مستقلة. ولا تفاوض يعيد السيادة إلى بلد لا يملك سلطة واحدة على الحرب والسلم.

عبور الليطاني يجب أن يُفهم كإنذار أكبر من حدث ميداني. ليس خطاً في الجنوب وحده هو الذي جرى تجاوزه. الخط الذي يتجاوزه الآخرون اليوم هو الفاصل بين دولة تحكمها مؤسساتها وأرض يديرها الخارج بموازين القوة.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page