top of page

الدولة لم تعلن التأميم لكنها مارسته على أموال الناس

  • صورة الكاتب: يللا ماغازين
    يللا ماغازين
  • قبل 6 دقائق
  • 5 دقيقة قراءة

يللا ماغازين


بعد سبع سنوات على انفجار الأزمة المالية في لبنان، لا يزال ملف أموال المودعين يدور في الحلقة نفسها. لا حل نهائياً، لا استعادة فعلية للثقة، ولا جواب واضح على السؤال الأهم. من يعيد للناس أموالهم، ومن يتحمل مسؤولية ما حصل.

في مقابلة ضمن برنامج الزاوية الحرة على منصة Transparency News، ناقش القاضي والباحث القانوني الدكتور بيتر جرمانوس والخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان، وهي قضية الودائع التي تحولت من حق تعاقدي بين المودع والمصرف إلى ملف سياسي ومالي وقانوني عالق بين الحكومة والمجلس النيابي والمصارف ومصرف لبنان.

النقطة الأولى التي شدد عليها الدكتور بيتر جرمانوس هي أن ما جرى لا يمكن التعامل معه كأزمة عادية أو كفجوة مالية تقنية فقط. في نظره، هناك فشل واضح للسلطتين التنفيذية والتشريعية في إيجاد حل لأموال الناس بعد كل هذه السنوات. فالأزمة لم تبق في حدود إدارة مالية سيئة، بل تحولت إلى مسألة تمس الملكية الخاصة، والدستور، وفكرة النظام الاقتصادي الحر في لبنان.

جرمانوس يرفض منطق التعاطي مع الودائع وكأنها أرقام قابلة للشطب أو التذويب مع مرور الزمن. هو يعتبر أن العلاقة بين المودع والمصرف علاقة تعاقدية واضحة، وأن أموال المودعين ليست منّة من الدولة أو من المصارف، بل حقوق يجب أن تُرد. ومن هنا جاء طرحه المباشر بضرورة إعادة مئة ألف دولار لكل مودع فوراً، معتبراً أن هذا المبلغ متوافر بين المصارف ومصرف لبنان ولا يحتاج إلى قانون جديد أو تعميم إضافي.

من جهته، يشرح نيكولا شيخاني البعد المالي للأزمة من زاوية الأرقام والتأثير الاقتصادي. بحسب ما ورد في المقابلة، كان في النظام المصرفي اللبناني عند بداية الأزمة نحو 130 مليار دولار، بينما بقي اليوم ما يقارب 85 ملياراً. الفرق، في قراءته، لم يختفِ وحده، بل تبخر عبر التعاميم، والسحوبات المجحفة، وتسديدات على أسعار صرف غير عادلة، وعمليات سمحت بتحويل الخسارة من جهات مسؤولة إلى المودعين.

شيخاني يصف التعاميم التي حكمت المرحلة بأنها كانت يجب أن تكون مؤقتة، لأسابيع أو أشهر قليلة، ريثما تصدر قرارات وقوانين واضحة. لكن ما حصل أن لبنان أصبح يُدار مصرفياً بالتعاميم لسنوات. وهذا، برأيه، شل العلاقة الطبيعية بين المصرف والمودع، وخلق واقعاً غير قانوني جعل التعميم أقوى عملياً من القانون ومن الأحكام القضائية ومن العقد نفسه.

في هذا السياق، يتوقف المتحدثان عند خطورة ما يسمّيانه سياسة التعميم الطويل. فالتعميم، عندما يتحول من إجراء طارئ إلى نظام دائم، يصبح بديلاً عن القانون والمؤسسات. هنا يطرح جرمانوس سؤالاً جوهرياً عن دور المؤسسات القائمة أصلاً، مثل لجنة الرقابة على المصارف، وهيئة التحقيق الخاصة، والهيئة المصرفية العليا، والمحكمة المصرفية الخاصة. فهذه المؤسسات، بحسب رأيه، لم تُنشأ للزينة، بل لمعالجة حالات التعثر، التحقيق في الشبهات، تصفية المصارف غير القادرة، ومحاسبة المسؤولين.

واحدة من أكثر الأفكار حضوراً في المقابلة هي رفض تحميل المودع نتيجة الصراع بين المصرف ومصرف لبنان والدولة. جرمانوس يرفض منطق أن يقول المصرف للمودع إن أمواله موجودة عند مصرف لبنان، وأن عليه انتظار استردادها من هناك. بالنسبة إليه، المودع تعاقد مع المصرف، وليس مع مصرف لبنان. والمصرف هو المسؤول أمام زبونه، حتى لو كانت له مطالبات أو حقوق تجاه مصرف لبنان أو الدولة.

شيخاني يذهب في الاتجاه نفسه، معتبراً أن تحميل كل طرف المسؤولية للطرف الآخر هو هروب من المحاسبة. الدولة تقول إن المشكلة عند المصارف. المصارف تقول إن أموالها لدى مصرف لبنان. مصرف لبنان يختبئ خلف التعاميم. والنتيجة أن المودع وحده يدفع الثمن. لذلك يطرح فكرة أن تتحمل الجهات الثلاث مسؤوليتها، الدولة والمصارف ومصرف لبنان، وأن يبدأ الحل من إعادة المئة ألف دولار فوراً كخطوة صادمة تعيد جزءاً من الثقة إلى الاقتصاد.

هذا الطرح لا يُقدم في المقابلة كحل نهائي لكل الأزمة، بل كبداية ضرورية. فإعادة هذا المبلغ إلى المودعين، بحسب شيخاني، يمكن أن تضخ سيولة في الاقتصاد، تخفف من الاقتصاد النقدي، تعيد بعض الثقة بالقطاع المصرفي، وتفتح الباب أمام عودة استعمال البطاقات والتحويلات والشيكات بدل الاعتماد المفرط على الكاش وشركات تحويل الأموال.

وهنا ينتقل النقاش إلى واحدة من نتائج الانهيار المصرفي، وهي توسع الاقتصاد النقدي وشركات تحويل الأموال على حساب المصارف. يشرح المتحدثان أن لبنان بعد 2019 تحوّل إلى نظام أقرب إلى الاقتصاد النقدي، حيث تراجعت الثقة بالمصارف وبرزت طبقات جديدة من الوسطاء، من الصرافين إلى شركات تحويل الأموال. وهذا المسار، بحسب شيخاني، يضع لبنان تحت مخاطر إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية واللائحة الرمادية ومخاطر الانتقال إلى وضع أسوأ إذا لم تُستعد الرقابة والشفافية.

الملف لا يبقى مالياً فقط. في قراءة جرمانوس، المسألة تطال الطبقة الوسطى نفسها. فالكثير من المودعين ليسوا من كبار الأثرياء، بل من اللبنانيين الذين عملوا في أفريقيا والخليج والاغتراب، وادخروا مئتي ألف أو ثلاثمئة ألف أو أكثر ليعيشوا بكرامة في لبنان. هؤلاء، بحسب وصفه، هم قلب الطبقة الوسطى، والطبقة الوسطى هي التي تحمل الاقتصاد والاستهلاك والديمقراطية. ضربها لا يعني فقط خسارة ودائع، بل ضرب توازن اجتماعي وسياسي كامل.

من هنا تأتي نبرة التحذير من سياسات يعتبرها جرمانوس تأميماً مقنعاً. فهو يقارن ما يحصل بسياسات تأميم خطيرة عرفتها دول أخرى، معتبراً أن وضع اليد على أموال الناس، سواء مباشرة أو عبر قوانين وإجراءات طويلة، يؤدي إلى إفقار طويل الأمد. وفي رأيه، لا يمكن لأي بلد أن يبني ثقة أو اقتصاداً حراً إذا اعتاد أن يتعامل مع الملكية الخاصة كأمر قابل للمصادرة أو التعليق.

تأخذ المقابلة أيضاً بعداً قانونياً واضحاً عند الحديث عن التعميم 169، الذي يرى المتحدثان أنه يمنع عملياً المصارف من تنفيذ بعض الأحكام القضائية أو التصرف من دون موافقة مصرف لبنان. بالنسبة إلى شيخاني، هذا النوع من التعاميم يطرح مشكلة دستورية وقانونية، لأنه يضع إجراءً إدارياً فوق حق التقاضي وفوق الملكية الخاصة. أما جرمانوس فيرى أن حجة المساواة بين المودعين لا تبرر منع صاحب حق من تنفيذ حكم قضائي لمصلحته.

في العمق، لا يطالب المتحدثان بالفوضى أو بترك كل مصرف يتصرف كما يشاء. بل يطالبان بالعودة إلى النظام العام القانوني. أي أن تُفعل المؤسسات الموجودة، وأن تُفحص أوضاع المصارف، وأن تُصفى المصارف غير القادرة، وأن تُعاد هيكلة القادرة، وأن تُلاحق الشبهات، وأن يُترك مجال للتسويات المباشرة بين المصارف والمودعين ضمن إطار قانوني واضح.

جرمانوس يذكّر أن لبنان عرف سابقاً تصفية مصارف بين الثمانينيات والتسعينيات، وأن ذلك لم يكن نهاية العالم. بالنسبة إليه، إفلاس مصرف أو تصفية مجموعة مصارف عاجزة هو جزء من منطق الاقتصاد الحر، وليس كارثة بحد ذاته. الكارثة، في رأيه، هي حماية العاجزين على حساب بلد كامل، وعلى حساب مستقبل المودعين والاقتصاد.

أما شيخاني فيركز على أن بقاء الأزمة معلقة هو استمرار للخسارة. فالاقتصاد لا يعيش على الأوكسيجين إلى ما لا نهاية. البلد يحتاج إلى صدمة ثقة، وإلى قرار واضح، وإلى كسر منطق الانتظار. فكل سنة تمر تعني تقادم مسؤوليات، وضياع حقوق، وهجرة إضافية، وتوسع اقتصاد الكاش، وتراجع قدرة الدولة على التحصيل والرقابة.

من أخطر ما ورد في المقابلة هو فكرة مرور الزمن. يتحدث جرمانوس عن مرور مهل قانونية ومسؤوليات مجالس الإدارة ومخاطر انتظار سقوط المسؤوليات مع الوقت. في قراءته، هناك من يراهن على الزمن كي يبرد الغضب، يموت أصحاب الحقوق، تتعب الطبقة الوسطى، ويصبح ما جرى أمراً واقعاً. لذلك يربط بين التأخير المتعمد وبين محاولة دفن الحقيقة.

في النهاية، يطرح الحوار معادلة واضحة. المشكلة ليست في غياب القوانين فقط، بل في تعطيل القوانين القائمة. وليست في غياب المؤسسات فقط، بل في عدم قيام المؤسسات بدورها. وليست في عدم وجود أموال إطلاقاً، بل في غياب قرار بإعادة جزء أساسي منها الآن.

المقابلة تكشف أن ملف الودائع لم يعد مجرد نقاش مالي بين أرقام وخسائر. إنه اختبار لفكرة الدولة نفسها. هل الدولة قادرة على حماية الملكية الخاصة. هل القضاء قادر على تنفيذ الحقوق. هل المصرف يبقى مسؤولاً أمام زبونه. هل مصرف لبنان منظم للقطاع أم بديل عن القانون. وهل المجلس النيابي والحكومة يريدان حلاً فعلياً أم إدارة طويلة للانهيار.

ما يقوله الدكتور بيتر جرمانوس ونيكولا شيخاني في هذه المقابلة يتجاوز المطالبة بمبلغ محدد. إنه دعوة إلى إعادة بناء القاعدة التي من دونها لا اقتصاد ولا استثمار ولا ثقة. القاعدة أن أموال الناس ليست مادة للمساومة، وأن التعاميم لا يمكن أن تحل مكان القانون، وأن حماية المصارف لا يجوز أن تكون على حساب المودعين، وأن ضرب الطبقة الوسطى يعني ضرب آخر ما تبقى من قدرة لبنان على النهوض.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page