top of page

سوريا تطرق باب حزب الله ولبنان يخشى وصاية بثوب جديد

  • صورة الكاتب: يللا ماغازين
    يللا ماغازين
  • قبل يومين
  • 5 دقيقة قراءة

يللا ماغازين

لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت حدثاً بروتوكولياً عادياً. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد كلام أميركي فتح الباب أمام احتمال أن يكون لسوريا دور في ملف حزب الله داخل لبنان، وبعد ضغوط متزايدة على الساحة اللبنانية مرتبطة بسلاح الحزب، والجنوب، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل نفوذ إيران في المنطقة.

التصريح الأبرز جاء من الشيباني نفسه، عندما قال إن دمشق منفتحة على لقاء حزب الله إذا اقتضت المصلحة. العبارة قصيرة، لكنها سياسية بامتياز. فهي لا تعلن تحالفاً جديداً مع الحزب، ولا تعلن مواجهة معه، ولا تؤكد وجود لقاء قريب. لكنها في الوقت نفسه لا تغلق الباب. وهذا هو الجديد في الموقف السوري.

بحسب رويترز، قال الشيباني خلال زيارته بيروت إن سوريا منفتحة على التواصل مع حزب الله عند الحاجة، لكنه نفى أن يكون ملف الحزب قد نوقش رسمياً خلال الاجتماعات اللبنانية. هذا التفصيل مهم، لأن دمشق تحاول أن ترسل إشارتين في الوقت نفسه. الأولى أنها لا تريد الظهور كطرف يتدخل مباشرة في الشأن اللبناني. والثانية أنها لا تريد استبعاد نفسها من معادلة إقليمية قد تفرض عليها لاحقاً التعامل مع حزب الله.

الشرق الأوسط نقلت المعنى نفسه، وركزت على أن الشيباني فتح الباب أمام لقاء محتمل مع حزب الله إذا اقتضت المصلحة، مع التشديد على عدم وجود لقاء مقرر خلال زيارته. بهذا المعنى، نحن أمام سياسة ترك الباب موارباً. لا قطيعة كاملة، ولا اندفاع مباشر، بل مساحة رمادية تسمح لسوريا الجديدة بالمناورة.

خلفية هذه الزيارة لا يمكن فصلها عن كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فبحسب رويترز وأي بي سي نيوز، كان ترامب قد تحدث عن دور محتمل لسوريا في مواجهة حزب الله داخل لبنان، بل أشار إلى أن دمشق قد تكون قادرة على التعامل مع الملف بطريقة أفضل من إسرائيل. هذا الكلام أثار قلقاً واسعاً، لأنه يعيد إلى الذاكرة اللبنانية سؤال الدور السوري في لبنان، ولكن هذه المرة تحت عنوان جديد يتعلق بحزب الله لا تحت عنوان الوصاية القديمة.

الرئيس السوري أحمد الشرع حاول احتواء هذا الكلام. ذا ناشيونال نقلت عنه أنه لا يمانع الجلوس مع حزب الله إذا كان ذلك يخدم مصلحة سوريا ولبنان، لكنه وصف دور الحزب في الحرب السورية بأنه جرح كبير. أما أي بي سي نيوز فأشارت إلى أن الشرع نفى وجود رغبة سورية في إرسال قوات إلى لبنان أو الدخول في مواجهة عسكرية مع حزب الله. هذا يعني أن دمشق تريد أن تميز بين الحوار والتدخل، وبين إدارة المصالح والدخول إلى الوحل اللبناني.

هنا تكمن حساسية المشهد. سوريا الجديدة تريد العودة إلى لبنان من بوابة الدولة، لا من بوابة الأجهزة. تريد زيارة رسمية، لجنة مشتركة، تعاوناً اقتصادياً، تنسيقاً أمنياً، وربما دوراً سياسياً في تخفيف التوتر. لكنها تعرف أن أي اقتراب من ملف حزب الله يوقظ ذاكرة لبنانية ثقيلة، لأن السوريين لم يغادروا الوعي اللبناني بعد عقود من النفوذ والوجود العسكري والتدخل في القرار الداخلي.

من جهة لبنان، المشكلة ليست في اللقاء بحد ذاته. الدول تتحدث مع خصومها عندما تفرض المصالح ذلك. المشكلة هي في معنى اللقاء ومن يديره ولمصلحة من. إذا كان أي تواصل سوري مع حزب الله يتم عبر الدولة اللبنانية وبهدف حماية السيادة اللبنانية، فقد يكون جزءاً من مسار سياسي واضح. أما إذا تحول إلى قناة جانبية بين دمشق والحزب أو بين دمشق وواشنطن أو بين دمشق وتل أبيب فوق رأس الدولة اللبنانية، فسيصبح لبنان مرة أخرى ساحة لا دولة.

معهد واشنطن حذر بوضوح من تشجيع سوريا على دخول لبنان تحت عنوان مواجهة حزب الله. في قراءته، الفكرة قد تبدو مغرية لبعض العواصم، لكنها تحمل مخاطر كبيرة. فسوريا الخارجة من تحول سياسي عميق ليست في موقع يسمح لها بفتح مواجهة لبنانية معقدة، ولبنان ليس أرضاً فارغة يمكن إعادة ترتيبها عبر قوة خارجية. أي خطأ في هذا الملف قد يفجر توترات داخلية، ويمنح حزب الله فرصة لتقديم نفسه مجدداً كقوة تدافع عن لبنان في مواجهة تدخل خارجي.

"فورن بوليسي" ذهبت في الاتجاه نفسه تقريباً، معتبرة أن دعوة سوريا إلى لبنان قد تقوي حزب الله بدل أن تضعفه. فالحزب الذي يتعرض لضغط داخلي وخارجي بسبب سلاحه ودوره في الحرب قد يجد في أي دور سوري فرصة لإعادة صياغة خطابه. عندها لا يعود النقاش حول سلاح الحزب داخل الدولة اللبنانية، بل يتحول إلى مواجهة مع تدخل خارجي، وهذا ما قد يخدم الحزب سياسياً.

في المقابل، هناك من يرى أن دمشق الجديدة قد تكون مفيدة إذا لعبت دوراً مضبوطاً في ضبط الحدود ومنع التهريب ومنع إعادة بناء خطوط الإمداد القديمة. فقد كانت سوريا لسنوات ممراً أساسياً في العلاقة بين إيران وحزب الله، وأي تغيير في موقف دمشق ينعكس تلقائياً على قدرة الحزب على الحركة. لكن هذا الدور يختلف جذرياً عن الدخول إلى لبنان أو فرض ترتيبات سياسية على اللبنانيين.

الملف يتقاطع أيضاً مع التطورات بين لبنان وإسرائيل. أكسيوس والجزيرة تحدثتا عن اتفاق إطار برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل، يضع مساراً لاستعادة السيادة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بحسب القراءة الأميركية والإسرائيلية. حتى لو بقي تنفيذ هذا المسار معقداً، فإن إدخال سوريا إلى النقاش يجعل المعادلة أكبر من لبنان وحده. نحن لا نعود أمام ملف لبناني إسرائيلي فقط، بل أمام هندسة إقليمية تشمل واشنطن ودمشق وتل أبيب وطهران.

وهنا تظهر خطورة اللحظة. إذا أصبحت سوريا جزءاً من المعادلة، فإن لبنان قد يواجه احتمالين. الاحتمال الأول أن تكون دمشق عاملاً مساعداً في تهدئة الحدود، ضبط المصالح المشتركة، وإبعاد لبنان عن مواجهة أهلية أو إقليمية. الاحتمال الثاني أن تتحول سوريا إلى أداة في صفقة أكبر، بحيث يصبح القرار اللبناني موزعاً بين الخارج والداخل، وتعود فكرة الوصاية بثوب جديد.

بالنسبة إلى حزب الله، الموقف السوري الجديد يضعه أمام وضع غير مألوف. فهو لم يعد يتعامل مع سوريا الأسد، التي كانت حليفاً استراتيجياً وعمقاً سياسياً وعسكرياً. هو يتعامل الآن مع سلطة سورية جديدة لا تستطيع إنكار جراح الحرب السورية، لكنها أيضاً لا تريد فتح مواجهة مباشرة معه. لذلك، أي لقاء محتمل بين دمشق والحزب سيكون محملاً بأسئلة ثقيلة. هل هو لقاء احتواء، أم ضغط، أم تفاوض على الحدود، أم بداية إعادة ترتيب علاقة فرضتها التحولات الإقليمية.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، المطلوب ليس رفض أي تواصل خارجي بالمطلق، بل الإمساك بالملف قبل أن يمسك به الآخرون. فحصر السلاح، ضبط الحدود، حماية الجنوب، والعلاقة مع سوريا يجب أن تكون ملفات دولة لا ملفات محاور. وإذا لم تبادر بيروت إلى وضع إطار واضح، فقد تجد نفسها أمام مسارات تفاوضية تدور حولها من دون أن تكون هي صاحبة القرار.

من هنا، أهمية أن تكون أي علاقة لبنانية سورية جديدة محكومة بثلاثة شروط أساسية. احترام السيادة اللبنانية، مرور أي تنسيق عبر المؤسسات الرسمية، ورفض أي دور أمني أو سياسي يعيد إنتاج تجربة الوصاية. العلاقة بين لبنان وسوريا ضرورية بحكم الجغرافيا والحدود والاقتصاد والنازحين والأمن. لكنها لا يجب أن تتحول إلى عودة ناعمة للنفوذ القديم.

ما قاله الشيباني لا يعني أن سوريا ستلتقي حزب الله غداً. ولا يعني أن دمشق ستقاتل الحزب. ولا يعني أن واشنطن حصلت على ضوء أخضر سوري. لكنه يعني أن الباب فُتح أمام احتمال سياسي جديد، وأن حزب الله لم يعد ملفاً لبنانياً صرفاً في نظر القوى الإقليمية والدولية.

الخلاصة أن سوريا تدخل مجدداً إلى المشهد اللبناني، ولكن بحذر. تدخل بالكلام لا بالقوات، وبالإشارات لا بالقرارات الحاسمة. غير أن تاريخ العلاقة بين بيروت ودمشق يجعل كل كلمة سورية عن لبنان أكبر من معناها المباشر. فلبنان لا يخاف فقط من لقاء محتمل بين سوريا وحزب الله، بل يخاف من أن يتحول هذا اللقاء إلى بداية مسار جديد يعيد رسم القرار اللبناني من خارج الدولة.

الاختبار الحقيقي الآن ليس في ما ستفعله دمشق فقط، بل في ما ستفعله بيروت. إما أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة المبادرة في إدارة علاقتها مع سوريا وملف حزب الله والجنوب، وإما أن يكتب الآخرون المعادلة عنها. وفي بلد دفع ثمناً طويلاً للوصايات والحروب والتسويات الخارجية، لا يكفي أن يقال إن المصلحة تقتضي اللقاء. السؤال الأهم هو مصلحة من، وتحت سقف أي دولة، وبأي ضمانة لسيادة لبنان.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page