top of page

موازنة بحجم بلدية ووعود معلّقة على الجباية

صورة الكاتب: يللا اليوم
يللا اليوم
قبل 5 ساعات
4 دقيقة قراءة

يللا اليوم

عرض رئيس الحكومة نواف سلام حسابات مشروع موازنة 2027، لكنه لم يقدّم في مؤتمره مشروعاً يوازي حجم المأساة اللبنانية. تحدّث عن الإيرادات والنفقات والمساعدات، فيما بقيت الأسئلة الأساسية عن الودائع المنهوبة والفساد والإنتاج والسيادة خارج الإجابات.

أبرز ما عرضه موازنة تقارب سبعة مليارات دولار، تتضمن كلفة إضافية للرواتب بنحو مليار و200 مليون دولار، وتخصيص نحو 56% للإنفاق الاجتماعي، وزيادة اعتمادات وزارة الصحة بنحو 16%، ورفع مساهمة الموازنة في برنامج «أمان» إلى 70 مليون دولار، وتخصيص 20 مليوناً للتمكين الاقتصادي. وتحدّث أيضاً عن تحصيل متأخرات ضريبية ومستحقات الكسارات والأملاك البحرية، ورسوم على اليخوت والطائرات الخاصة، وخطط للنقل العام وقروض للطاقة الشمسية والسكن.

لكن العبارة التي تحكم كل هذه الوعود هي أن الحكومة لن تنفق أموالاً لم تحصّلها بعد. الانضباط المالي مطلوب، لكن ربط التنفيذ بالتحصيل، من دون مواعيد واضحة وأهداف قابلة للمحاسبة، يمنح الحكومة مخرجاً جاهزاً من وعودها: إذا لم يتحقق شيء، فالجواب أن الأموال لم تصل. وإذا أرادت تنفيذ الوعود ولم تكفِ الجباية، فمن أين ستأتي بالفارق؟ في غياب بدائل تمويل واضحة، يبدو المسار معروفاً سلفاً: إما تعطيل الوعود وإما المزيد من الاستدانة، رغم إعلان رفض العودة إلى تمويل الإنفاق الجاري بالدَّين. وهكذا يُترك المواطن بين خدمات مؤجّلة وديون إضافية، بدل أن يحصل على التزامات ممولة وخطة تنفيذ يمكن محاسبة الحكومة عليها.

المطلوب ليس أن تنفق الحكومة ما لا تملك، بل أن تحدّد ما تستطيع تنفيذه فعلاً، ومتى، وبأي تمويل. أما عرض المبادرات على الناس ثم تعليقها على جباية غير مضمونة، فيحوّل الالتزام إلى احتمال، والمسؤولية إلى انتظار. المواطن لا يستطيع تعليق إيجاره ودوائه وقسط مدرسته على نجاح الحكومة في التحصيل.

وأين الودائع المنهوبة؟ كيف يُفتح حديث عن الوضع المالي للدولة وحقوق المواطنين من دون تقديم إجابة عن أموال المودعين؟ تحدّث سلام عن حقوق الخزينة لدى الشركات والمخالفين، لكن ماذا عن حقوق الناس الذين حُرموا من مدّخراتهم؟ أين خطة الاسترداد، وتحديد المسؤوليات، وتوزيع الخسائر، والمواعيد التي يمكن للمودع أن يحاسب الحكومة عليها؟

وأين الفساد وسرقة الأموال العامة؟ تحصيل الضرائب المتأخرة لا يغني عن ملاحقة من نهب المال العام أو أهدره أو استفاد من الصفقات والمحاصصة. لا يكفي أن تطلب الدولة مزيداً من الإيرادات من دون أن تشرح كيف ستمنع سرقتها مجدداً، وما الذي استعادته، ومن أحالته إلى المحاسبة.

ثم كيف ستُصرف هذه المليارات؟ ذكر حصص عامة للصحة والإنفاق الاجتماعي والرواتب لا يوضح آليات الصرف وحدوده. ما سقوف الإنفاق؟ ما معايير اختيار المشاريع والمستفيدين؟ كيف ستتوزع الاعتمادات بين المناطق؟ وما الضمانات التي تمنع المحاباة السياسية والحزبية؟ القول إن الموازنة لجميع اللبنانيين لا يحلّ محل جداول واضحة تُظهر حصة كل منطقة وحاجاتها وأسس تمويلها.

وفي هذا السياق، لا يكفي الدفاع عن زيادة اعتمادات وزارة الصحة بنحو 16% باتهام المنتقدين بالطائفية أو المناطقية. حق المواطن بالعلاج ثابت، لكن مساءلة الحكومة عن وجهة الأموال حق ثابت أيضاً. ما الضمانات التي تمنع تحوّل هذه الزيادة إلى مكافأة غير مباشرة لحزب الله، الحزب المرتبط بإيران، عبر شبكات النفوذ والمحاصصة؟ الجواب يكون بكشف التوزيع والعقود والمستشفيات المستفيدة وآليات الرقابة، لا بإقفال النقاش.

أما الرسوم على اليخوت والطائرات الخاصة، فلم يقل لنا سلام كم يتوقع تحصيله منها. ما عدد الجهات الخاضعة لها؟ ما قيمة الرسوم؟ وما حصيلتها المقدّرة قياساً بحاجات الموازنة؟ ذكر اليخوت والطائرات الخاصة يوحي بأن أصحاب الثروات سيدفعون، لكنه يبقى عنواناً بلا وزن مالي واضح ما لم تُعلن أرقامه.

وأين المشاريع الإنتاجية؟ عشرون مليون دولار للتدريب والتجهيزات والمصالح الصغيرة لا تشكّل وحدها خطة نهوض اقتصادي. أين مشاريع الصناعة والزراعة والتكنولوجيا؟ أين أهداف التصدير وتقليص الاستيراد؟ وكيف سيكبر الاقتصاد إذا انحصر دور الحكومة في جمع المال وإعادة توزيعه؟

وأين خطة الشباب لوقف الهجرة؟ القرض السكني لا يُبقي شاباً في لبنان إذا لم يجد عملاً ودخلاً مستقراً. المطلوب فرص تسمح له ببناء مستقبله وتسديد التزاماته، لا التزام مالي جديد يضاف إلى عجزه.

وفي القطاع العام، تصحيح الرواتب حق، لكن أين خطة تقليص تخمة الموظفين، ووقف التوظيف السياسي، وإعادة توزيع العاملين وفق الحاجة، وربط الإنفاق بالخدمة الفعلية؟ حماية الموظف المنتج لا تعني إبقاء الترهل والهدر خارج المساءلة.

وفي الجمارك، أين القرار الصارم بوقف التهريب؟ المكننة وزيادة العناصر لا تكفيان من دون ضبط المعابر وملاحقة الشبكات ورفع الحماية السياسية عنها. لا يجوز التشدد مع من يعمل تحت القانون، فيما يبقى السؤال عن القادرين على تجاوزه بلا جواب.

وقال سلام إنه لا يريد العودة إلى تمويل الإنفاق الجاري بالاستدانة، ثم تحدّث عن تمويل منتظر من البنك الدولي. فهل هذا التمويل منحة أم قرض؟ وإذا كان قرضاً، فما شروطه وكلفته ومصدر سداده؟ هذا التفصيل أساسي للحكم على مدى انسجام التمويل المقترح مع موقفه المعلن من الاستدانة.

أما المحروقات، فصحيح أن أسعار النفط عالمية، لكن الضرائب والرسوم المحلية قرار حكومي. لماذا لم يوضح ما تستطيع الحكومة تخفيفه من هذه الأعباء، وما أثر ذلك على كلفة النقل والإنتاج؟ لا يجوز تحميل الخارج كامل المسؤولية عن فاتورة تتضمن خيارات تتخذها السلطة في الداخل.

وفوق كل هذه الحسابات، أين واقع لبنان من هذه الموازنة؟ أين السلاح غير الشرعي والاحتلال الإسرائيلي ومخاوف عودة الاحتلال السوري؟ كيف تحمي الحكومة الاقتصاد والاستثمار فيما قرار الحرب والسلم ليس محصوراً بيد الدولة؟

قياساً بهذه التحديات، يبدو العرض أقرب إلى موازنة بلدية منه إلى مشروع دولة. حسابات دكنجي: ما الذي سندخله إلى الصندوق، وما الذي سندفعه إذا دخل المال، وما الذي سنؤجله إذا لم يدخل.

لبنان لا يحتاج إلى وعود مشروطة تتيح التنصّل منها لاحقاً. يحتاج إلى التزامات محددة، وتمويل واضح، وتوزيع معلن، ورقابة فعلية، ومواعيد للمحاسبة. وقبل كل شيء، يحتاج إلى حكومة لا تتناسى أموال الناس المنهوبة وهي تطالبهم بانتظار ما ستنجح في جبايته.


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page