٤ آب ليس ذكرى بل جريمة تنتظر حكمها
- يللا ماغازين

- قبل يوم واحد
- 2 دقيقة قراءة

يللا ماغازين
في الرابع من آب ٢٠٢٠، لم تكن بيروت تعرف أنها تدخل خلال دقائق قليلة واحدة من أقسى لحظات تاريخها الحديث. ما سبق الانفجار الكبير لم يكن صمتًا عاديًا، بل تسلسلًا مرعبًا من نار، دخان، إهمال، غياب تحذير، ثم كارثة حفرت جرحًا تاريخيًا في قلب كل لبناني ولن تُنسى أبدًا.
بعد الظهر، كانت أعمال صيانة تجري في العنبر رقم ١٢ في مرفأ بيروت، حيث كانت كميات ضخمة من نيترات الأمونيوم مخزنة منذ سنوات. وتشير تقارير حقوقية وتحقيقات مفتوحة المصدر إلى أن عمالًا قاموا بأعمال تلحيم في محيط العنبر قبل ساعات من الانفجار، لكن سبب الاشتعال المباشر بقي موضع نقاش ولم يُحسم بشكل قاطع.
مع اقتراب المساء، بدأ الدخان يظهر من جهة العنبر رقم ١٢. أولى المقاطع المصورة أظهرت عمود دخان يتصاعد من المرفأ قبل الانفجار الكبير بدقائق. في تلك اللحظات، كان الخطر الحقيقي مخفيًا خلف مشهد بدا في البداية كحريق داخل مستودع.
بعد دقائق، أُبلغ فوج إطفاء بيروت بوجود حريق في المرفأ. توجه العناصر إلى المكان من دون أن يتم إبلاغهم بأن داخل العنبر مواد شديدة الخطورة وقابلة للانفجار. قيل لهم إن الحريق مرتبط بمواد قابلة للاشتعال أو مفرقعات، لا إنهم يدخلون إلى قنبلة هائلة في قلب العاصمة.
عند وصول رجال الإطفاء، حاولوا التعامل مع الحريق وفتح العنبر. بدأت أصوات الفرقعات تُسمع من الداخل، وظهرت ومضات تشبه انفجار المفرقعات. كان المشهد يتحول بسرعة من حريق موضعي إلى سلسلة انفجارات صغيرة داخل المستودع.
ثم ظهرت حرارة شديدة ولهب متصاعد، ومعها بدأ العد العكسي غير المرئي. لم تصدر أوامر إخلاء واسعة للسكان، ولم يُحذَّر الناس في الأحياء المحيطة، ولم يعرف رجال الإطفاء أنهم يقفون على حافة الانفجار الأكبر.
عند نحو السادسة وسبع دقائق مساءً، وقع الانفجار الكبير. خلال ثوانٍ، تحوّل المرفأ إلى كرة نار هائلة، واندفعت موجة صدمية مزقت واجهات المباني والزجاج والبيوت والشوارع. قُتل أكثر من مئتي شخص، وجُرح الآلاف، وتضررت أحياء كاملة من بيروت.
لكن ٤ آب لم ينته في تلك اللحظة. منذ ذلك اليوم، يعيش اللبنانيون انفجارًا آخر اسمه انتظار العدالة. ينتظرون القرار الظني المتوقع بعد انتهاء العطلة القضائية، وسط توقعات بأن يشمل الادعاء أكثر من سبعين شخصًا، بين من شاركوا عن قصد، ومن سهّلوا، ومن تواطأوا، ومن أهملوا حتى تحولت بيروت إلى مسرح جريمة.
واللبنانيون ينتظرون إحالة القضية أمام المجلس العدلي، لينال كل مجرم قصاصه وفق القانون. أما غير ذلك، فلا يعني فقط أن القضاء يساهم في قتل العدالة، بل يعني أنه يقتل الضحايا مرة ثانية، ويدمر بيروت مرة ثانية.
٤ آب ليس ذكرى. إنه جرح مفتوح، وامتحان أخير لما بقي من معنى الدولة والعدالة في لبنان.


.jpg)



تعليقات