أبرز التحليلات الدولية حول تأثير الانتخابات الأميركية على دعم إسرائيل والحرب مع إيران


يللا ماغازين
لم يقتصر أثر فوز الديمقراطيين بمجلسَي النواب والشيوخ على إضعاف موقع دونالد ترامب (Donald Trump) داخل واشنطن. فقد أعاد فتح النقاش حول حرب إيران وكلفتها، وحدود الدعم الأميركي لإسرائيل، وقدرة الرئيس على مواصلة سياسة عسكرية يدفع الناخب الأميركي جزءاً من ثمنها عند محطة الوقود. لكن التحليلات المنشورة حتى ٥ تشرين الثاني لا تتعامل مع النتائج باعتبارها إعلاناً بانتهاء الحرب. فالأغلبية المقبلة تملك أدوات للضغط والمحاسبة، بينما يحتفظ البيت الأبيض بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والعمليات العسكرية.
وتظهر التغطيات الأميركية والفرنسية والروسية والصينية اختلافاً في تفسير المرحلة المقبلة. بعضها يرى فرصة لفرض تسوية، وبعضها يحذّر من أن الرئيس الذي خسر سياسياً قد يبحث عن انتصار عسكري. وبين الاحتمالين، تتقدم مسألة أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى إسرائيل: كيف تحافظ على علاقتها بواشنطن بعدما أصبحت كلفة هذه العلاقة موضع اعتراض داخل اليمين الأميركي أيضاً؟
الحرب تدخل الحسابات الاقتصادية للحزب الجمهوري
في «بوليتيكو»، يربط جيمس بيكاليس (James Bikales)، في تقريره المنشور في ٤ تشرين الثاني، بين تراجع أسعار النفط وتصريحات نائب الرئيس جاي دي فانس (JD Vance) التي حمّل فيها حرب إيران مسؤولية الخسارة الانتخابية، وأيّد البحث عن حل دبلوماسي.
وبحسب التقرير، انخفض سعر الخام الأميركي المرجعي ستة دولارات للبرميل يوم الأربعاء، بعدما بدأت الأسعار بالتراجع على خلفية مؤشرات إلى تحرك تفاوضي. غير أن العقوبات الأميركية الجديدة على جهات متهمة بدعم إيران، والضربات المحدودة التي سبقت الانتخابات، تؤكد أن الضغط العسكري والاقتصادي لم يتوقف.
تلك الاستجابة في السوق تعبّر عن توقعات بانخفاض خطر التصعيد، وليست دليلاً على اتفاق أُنجز. لكنها تكشف الترابط الذي أصبح يقيّد الإدارة: استمرار المواجهة يضغط على الطاقة والأسعار، وتحسن الوضع المعيشي يصعب فصله عن المسار الذي ستسلكه الحرب.
ويلخّص باراك رافيد (Barak Ravid) في «أكسيوس» الخيارات أمام ترامب: التفاوض، أو استئناف القصف، أو إطالة الحصار والعقوبات؛ ولكل منها كلفة.
طهران أمام فرصة تفاوضية وخطر سوء التقدير
في تقرير لشبكة «سي إن إن»، أعدّه مصطفى سالم (Mostafa Salem)، وأورين ليبرمان (Oren Liebermann)، ونيك باتون والش (Nick Paton Walsh)، تبرز خشية من أن تقود قراءة متسرعة للنتائج إلى مواجهة جديدة.
علي واعظ (Ali Vaez)، من مجموعة الأزمات الدولية، يرى أن ترامب يمكن أن يسعى إلى اتفاق يحفظ ماء الوجه، أو إلى تصعيد يستعيد به زمام المبادرة. الضعف الانتخابي، وفق هذا التحليل، لا يلغي القدرة على استخدام القوة.
أما صنم وكيل (Sanam Vakil)، من «تشاتام هاوس»، فتتوقع تكثيف الدبلوماسية بالتوازي مع التهديدات العسكرية، وتعتبر ترتيباً مؤقتاً يتعلق بمضيق هرمز أكثر واقعية من اتفاق شامل. وتأتي هذه القراءة مع استئناف الاتصالات عبر وسطاء قطريين.
بالنسبة إلى طهران، لا تكفي خسارة الجمهوريين لحل مشكلاتها. وقد يعرقل التفاوضَ اعتقادُها أن بإمكانها انتزاع تنازلات أكبر، مقابل رفض ترامب الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط.
ما الذي يستطيع الكونغرس تغييره فعلياً
تشرح إليسا إيويرز (Elisa Ewers)، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن الأغلبية الديمقراطية تستطيع إخضاع إدارة الحرب لجلسات استماع، والسعي إلى تقييد العمليات المقبلة، واستخدام الاعتمادات المالية لفرض شروط على سياسة الإدارة.
وبالنسبة إلى إسرائيل، تتوقع محاولات جادة لتقييد المساعدات العسكرية وتطبيق القانون الأميركي، مع احتمال تشدد إضافي إذا استمرت حكومة بنيامين نتنياهو (Benjamin Netanyahu) وسياساتها.
لكن تحويل هذه التوجهات إلى قرارات نافذة يتطلب معركة سياسية. فالديمقراطيون لا يملكون أغلبية تكفي وحدها لتجاوز الفيتو الرئاسي، وسيحتاجون إلى أصوات جمهورية في ملفات أساسية. ولهذا، يمكن أن تكون قدرتهم على التحقيق وكشف المعلومات ومراقبة الإنفاق أسرع تأثيراً من قدرتهم على فرض تغيير شامل في السياسة الخارجية.
وهناك عامل زمني مهم: الكونغرس الجديد يبدأ عمله في ٣ كانون الثاني. وحتى ذلك الموعد، تبقى للإدارة مساحة للتحرك مع المجلسين المنتهية ولايتهما. لذلك لا يجوز التعامل مع نتيجة الاقتراع وكأنها نقلت فوراً سلطة القرار العسكري إلى خصوم الرئيس.
إسرائيل تواجه اعتراضاً يتجاوز اليسار الأميركي
يرى ويليام ويكسلر (William F. Wechsler)، مدير مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية تواجه خطراً لم يعد ممكناً حصره في التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
ويستشهد بإعلان ترامب، صباح يوم الانتخابات، عزمه إنهاء نحو أربعة مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل خلال شهرين. هذا إعلان عن توجه، وليس دليلاً على أن وقف المساعدات أصبح إجراءً منفذاً. لكنه، في قراءة ويكسلر، يكشف أن الرئيس نفسه بات يعتبر الدعم لإسرائيل مشكلة سياسية على اليمين واليسار.
ويربط الباحث تدهور التأييد بخيارات الحكومة الإسرائيلية واعتمادها على قوى متطرفة، وبالعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. كما يرى أن احتمال خسارة المساعدات يمكن أن يؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية.
وتصبح حماية العلاقة بواشنطن، وفق هذا التحليل، أولوية لرئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل. فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف مع إدارة أميركية حول قرار محدد، بل اتساع دائرة الأميركيين الذين يسألون عن كلفة الالتزام بإسرائيل وحدوده.
القراءة الروسية تحذّر من أميركا أكثر اندفاعاً
في صحيفة «كوميرسانت» الروسية، يرفض المحلل السياسي أندريه كورتونوف (Andreï Kortounov)، في مقال نشره في ٤ تشرين الثاني، الافتراض القائل إن انقسام واشنطن يصب تلقائياً في مصلحة خصومها.
مقاله يتناول أساساً انعكاسات الانتخابات على روسيا، لكنه يضع الحرب مع إيران ضمن الملفات التي تزاحم أوكرانيا على اهتمام الإدارة الأميركية. والأهم أنه يحذّر من أن أميركا الضعيفة والمنقسمة قد تصبح أقل اتساقاً وأكثر اندفاعاً، بما يخلق مفاجآت خطرة لحلفائها وخصومها معاً.
هذه قراءة تختلف عن الاحتفاء البسيط بخسارة ترامب. فتعطيل الرئيس داخلياً قد يحد من بعض قدراته، لكنه لا يضمن سياسة خارجية أكثر قابلية للتوقع. ومن هنا تلتقي حجة كورتونوف مع التحذيرات الأميركية من المبالغة في تفسير النتيجة الانتخابية باعتبارها ضمانة للتهدئة مع إيران.
الصحافة الصينية تربط الحرب بفاتورة المعيشة
في «تشاينا ديلي»، يعرض يفان شو (Yifan Xu)، في تقرير مؤرخ في ٥ تشرين الثاني، نتيجة الانتخابات باعتبارها بداية لحكم منقسم، مع بقاء حجم التحول الفعلي في السياسات غير محسوم.
وينقل عن دانيال دريزنر (Daniel Drezner)، أستاذ السياسة الدولية في جامعة تافتس، أن السياسة الخارجية تصبح أكثر تأثيراً انتخابياً عندما تمس الوضع المالي للأميركيين. كما يستعرض تحليلاً لجاستن لوغان (Justin Logan)، من معهد كاتو، يربط الوزن الانتخابي الاستثنائي لحرب إيران بارتفاع تكاليف الطاقة.
ويبرز التقرير أيضاً رأي جاك ميدغلي (Jack Midgley)، المرتبط بجامعة جورجتاون، بأن الفيتو والصلاحيات التنفيذية سيحدّان من قدرة الديمقراطيين على التشريع، ما قد يمنح التحقيقات مساحة أكبر من القوانين الجديدة.
أما «غلوبال تايمز»، فتقدّم تفسيراً أكثر تشككاً في عمق التحول. يرى تشانغ جيادونغ (Zhang Jiadong)، من جامعة فودان، أن التصويت يعكس حركة التأرجح بين الحزبين أكثر مما يعكس تأييداً واسعاً لبرنامج ديمقراطي متكامل. ويعتبر تشو يينغ (Zhu Ying)، الباحث في الشؤون الأميركية، أن الأغلبية الجديدة تستطيع كبح بعض مقترحات ترامب، من دون أن تعالج تلقائياً المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
وتنقل الصحيفة توقعات بأن يزيد التصويت الضغط لإنهاء الحرب، لكنها تشير أيضاً إلى احتمال تراجع اتساق السياسة الخارجية بفعل الصراع بين المؤسسات. وهذه آراء محللين نشرتها الصحيفة، بينما اكتفى الموقف الرسمي الصيني باعتبار الانتخابات شأناً أميركياً داخلياً.
التفوق العسكري وحدود النتائج السياسية
ومن الخلفيات السابقة للانتخابات، يناقش ألكسندر زيفين (Alexander Zevin)، في «لو موند ديبلوماتيك» في تموز، تعثر إخضاع إيران رغم التفوق العسكري الأميركي.
تساعد هذه الزاوية في فهم السؤال المطروح اليوم: ما الهدف السياسي القابل للتحقيق، وبأي كلفة؟ فالضغط الانتخابي يدفع نحو خفض الأسعار وإنهاء الاستنزاف، بينما قد يدفع الحرص على صورة القوة نحو جولة عسكرية جديدة. وتوضح التحليلات الراهنة أن هذين الدافعين يمكن أن يتعايشا داخل الإدارة نفسها، بما يفسر استمرار التفاوض والتهديد في الوقت ذاته.
وبالنسبة إلى إسرائيل، سيكون الاختبار في شروط المساعدات ومدى قدرتها على استعادة التأييد عبر الحزبين. وبالنسبة إلى إيران، سيكون في تحويل الاتصالات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، تبدأ ربما بالملاحة وهرمز. أما داخل واشنطن، فسيتضح اتجاه المرحلة من خلال استعداد جمهوريين لمساندة قيود فعلية على الحرب. تلك هي المؤشرات التي تفصل بين خسارة انتخابية تغيّر الخطاب، وخسارة تفرض تغييراً في القرارات.










تعليقات