top of page

أسماء أشهرنا جزء من ذاكرتنا

  • صورة الكاتب: الفرد بارود
    الفرد بارود
  • قبل يوم واحد
  • 3 دقيقة قراءة

يللا ماغازين

ليست أسماء الأشهر تفصيلاً لغوياً عابراً. عندما يقول اللبناني كانون وشباط وآذار ونيسان وأيار، فهو لا يستعمل مجرد كلمات قديمة، بل يفتح نافذة على ذاكرة حضارية ممتدة في أرضه ومحيطه المشرقي. هذه الأسماء ليست زينة تراثية، وليست لهجة بيتية، بل جزء من هوية ثقافية متجذرة في لبنان.

لذلك، عندما تبدأ وسائل إعلام لبنانية باستبدال هذه الأسماء بأسماء مستعملة في مصر أو في كيانات عربية أخرى، مثل يناير وفبراير ومارس وأبريل، فالمسألة لا تعود مسألة تبسيط لغوي. إنها تنازل ثقافي صامت. تنازل يبدأ بكلمة وينتهي بتغيير الوعي.

لبنان لم يكن يوماً نسخة لغوية عن أحد. له ذاكرته، صوته، قاموسه، إيقاعه، وأسماء شهوره. وهذه الأسماء التي نرددها منذ أجيال تحمل أثراً سريانياً وآرامياً، أي من التاريخ الحي لهذه المنطقة قبل أن تتحول اللغة إلى أداة توحيد قسري أو تذويب إعلامي.

كانون الثاني، شهر السكون والبرد. يرتبط الاسم بفكرة الثبات والاستقرار والكمون، وكأن الطبيعة في هذا الشهر تنكفئ إلى داخلها وتستريح تحت قسوة الشتاء.

شباط، شهر الضرب والتقلب. اسمه مرتبط في التفسيرات القديمة بالضرب أو العصف، وهذا يشرح صورته الشعبية في لبنان، شهر لا يُوثق بطقسه ولا يُؤمن مزاجه.

آذار، شهر اليقظة والانتقال. هو شهر الريح وبداية التحول، حيث تبدأ الأرض بالخروج من ثقل الشتاء وتظهر أول إشارات الربيع.

نيسان، شهر البدايات والزهور. اسمه مرتبط في الموروث القديم بفكرة الانطلاق والربيع والثمار الأولى، وهو في الوجدان اللبناني شهر الضوء المفتوح على الحياة.

أيار، شهر النور والخصب. يرتبط اسمه بمعاني الزهر والنور، وهو شهر الطبيعة المكتملة، حين تصبح الأرض أكثر سخاءً ووضوحاً.

حزيران، شهر القمح والحصاد. يربط بعض الشراح الاسم بموسم الحنطة، وهو شهر العمل في الحقول وبداية نضج تعب الأرض.

تموز، شهر الحرارة والحياة والأسطورة. اسمه من أقدم الأسماء المشرقية، مرتبط بالتراث الرافدي وبالخصب والموت والعودة، ولذلك ليس مجرد اسم شهر، بل أثر من حضارة كاملة.

آب، شهر القيظ والنضج. هو شهر الحرارة الثقيلة، شهر الثمار الناضجة، وشهر امتحان الأرض والإنسان تحت شمس الصيف.

أيلول، شهر العويل والنهاية الزراعية. يرتبط اسمه في بعض التفسيرات القديمة بفكرة الحزن أو الانكسار، كأنه إعلان انتهاء موسم وبداية انتظار آخر.

تشرين الأول، شهر البدء والحرث. يحمل الاسم معنى الشروع والانطلاق، وفي الذاكرة الزراعية هو بداية دورة جديدة مع الأرض قبل الشتاء.

تشرين الثاني، استمرار البداية والاستعداد. هو امتداد لتشرين الأول، شهر يرسخ الانتقال نحو المطر والعمل الشتوي والعودة إلى الداخل.

كانون الأول، بداية السكون. هو الباب الأول إلى برد السنة، شهر الانكماش والبيت والنار، قبل أن يكتمل السكون في كانون الثاني.

هذه ليست أسماء عشوائية. إنها تقويم شعبي وثقافي وزراعي وحضاري. فيها الطقس، الأرض، القمح، المطر، البرد، الضوء، الحصاد، والذاكرة. فيها لبنان الحقيقي، لا لبنان المستورد من نشرات جاهزة ولا من قوالب إعلامية فقدت علاقتها بالناس.

من حق المصري أن يقول يناير وفبراير ومارس. هذه لغته وهذا استعماله. ومن حق أي بلد عربي أن يستعمل ما يشاء. لكن ليس من حق الإعلام اللبناني أن يتخلى عن ذاكرته ليقلد غيره بلا سؤال، وكأن لبنان لا قاموس له ولا تاريخ له ولا خصوصية له.

الإعلام ليس شاشة فقط. الإعلام حارس للغة الناس. وعندما يقرر إعلام لبناني أن يقول يناير بدل كانون الثاني، وفبراير بدل شباط، ومارس بدل آذار، فهو لا يغير مفردة فقط. إنه يقطع خيطاً صغيراً من ذاكرة البلد. ومع الوقت، تتجمع الخيوط المقطوعة ويصبح الاغتراب داخل اللغة أمراً عادياً.

المسؤولية هنا تقع على كل وسيلة إعلام لبنانية، وعلى كل محرر ومذيع ومعد ومقدم نشرة. اللغة ليست ديكوراً. والهوية لا تُحمى بالشعارات عن لبنان الحضارة ثم تُهمل في أبسط تفاصيل الكلام اليومي. لا يمكن أن نتحدث عن السيادة والثقافة والحضارة، ثم نستورد أسماء أشهرنا من خارج ذاكرتنا كأننا بلا جذور.

السؤال لم يعد لغوياً فقط. من يدفع بهذا الاغتصاب الثقافي الناعم. ومن قرر أن الأشهر اللبنانية لم تعد تصلح للبنانيين. ولماذا يشارك بعض الإعلاميين، عن قصد أو عن جهل، في تذويب هوية لغوية عمرها قرون، ثم يطلون علينا كل يوم بمحاضرات عن الثقافة والوطن والحضارة.

لبنان لا يحتاج إلى من يعلمه أسماء الشهور. لبنان يحتاج إلى إعلام يحترم ذاكرته.


الفرد بارود

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page